الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
165
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فنزل قوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وعلى هذا الوجه قد سمّي مال الفداء غنيمة تسمية بالاسم اللغوي دون الاسم الشرعي ؛ لأنّ الغنيمة في اصطلاح الشرع هي ما افتكّه المسلمون من مال العدوّ بالإيجاف عليهم . والوجه الثاني : يظهر لي أنّ التفريع ناشئ على التحذير من العود إلى مثل ذلك في المستقبل ، وأنّ المعنى : فاكتفوا بما تغنمونه ولا تفادوا الأسرى إلى أن تثخنوا في الأرض . وهذا هو المناسب لإطلاق اسم الغنيمة هنا إذ لا ينبغي صرفه عن معناه الشرعي . ولمّا تضمّن قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [ الأنفال : 68 ] امتنانا عليهم بأنّه صرف عنهم بأس العدوّ ، فرّع على الامتنان الإذن لهم بأن ينتفعوا بمال الفداء في مصالحهم ، ويتوسّعوا به في نفقاتهم ، دون نكد ولا غصّة ، فإنّهم استغنوا به مع الأمن من ضرّ العدوّ بفضل اللّه . فتلك نعمة لم يشبها أذى . وعبّر عن الانتفاع الهنيء بالأكل : لأنّ الأكل أقوى كيفيّات الانتفاع بالشيء ، فإنّ الآكل ينعم بلذاذة المأكول وبدفع ألم الجوع عن نفسه - ودفع الألم لذاذة - ويكسبه الأكل قوة وصحّة - والصحة مع القوّة لذاذة أيضا - . والأمر في فَكُلُوا مستعمل في المنّة ولا يحمل على الإباحة هنا : لأنّ إباحة المغانم مقرّرة من قبله يوم بدر ، وليكون قوله : حَلالًا حالا مؤسسة لا مؤكّدة لمعنى الإباحة . و غَنِمْتُمْ بمعنى فاديتم لأنّ الفداء عوض عن الأسرى والأسرى من المغانم . والطيب : النفيس في نوعه ، أي حلالا من خير الحلال . وذيّل ذلك بالأمر بالتقوى : لأنّ التقوى شكر اللّه على ما أنعم من دفع العذاب عنهم . وجملة : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر بالتقوى ، وتنبيه على أنّ التقوى شكر على النعمة ، فحرف التأكيد للاهتمام ، وهو مغن غناء فاء التفريع ، كقول بشار : إنّ ذاك النجاح في التبكير وقد تقدّم ذكره غير مرة . وهذه القضية إحدى قضايا جاء فيها القرآن مؤيّدا لرأي عمر بن الخطاب . فقد روى